عند ذلك انتهى الاستجواب الطويل من هرقل، وبدأ هرقل يحلل كل كلمة سمعها وكل معلومة حصل عليها حتى يخرج باستنتاج، وأعلن ذلك الاستنتاج ترجمان هرقل، قال هرقل: سألتك عن نسبه، فذكرت أنه فيكم ذو نسب، وكذلك الرسل تبعث في نسب من قومها. ثم قال: سألتك إن قال أحد منكم هذا القول قبله؟ فذكرت أن لا، قلت: لو كان قال أحد هذا القول قبله لقلت رجل يتأسى بقول قيل قبله. وسألتك هل كان من آبائه من ملك؟ فذكرت أن لا، فقلت: لو كان من آبائه من ملك، قلت: رجل يطلب ملك أبيه. وسألتك هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فذكرت أن لا، فقد أعرف أنه لم يكن ليذر الكذب على الناس ويكذب على اللَّه. وسألتك أشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم؟ فذكرت أن ضعفاءهم اتبعوه. وهم أتباع الرسل. وسألتك أيزيدون أم ينقصون؟ فذكرت أنهم يزيدون. وكذلك أمر الإيمان حتى يتم. وسألتك أيضا أيرتد أحد منهم سخطا لدينه بعد أن يدخل فيه؟ فذكرت أن لا. وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب. وسألتك هل يغدر؟ فذكرت أن لا. وكذلك الرسل لا تغدر. وسألتك بماذا يأمر؟ فذكرت أنه يأمركم أن تعبدوا اللَّه ولا تشركوا به شيئًا، وينهاكم عن عبادة الأوثان، ويأمركم بالصلاة والصدق والعفاف. وبعد هذا التحليل العميق من هرقل قال لأبي سفيان بمنتهى الصراحة: فإن كان ما تقوله حق فسيملك موضع قدمي هاتين -أي الشام- وقد كنت أعلم أنه خارج، ولم أكن أظن أنه منكم - (فهو يستكثر أن يكون من العرب!) - فلو أني أعلم أني أخلص إليه لتجشمت لقاءه، ولو كنت عنده لغسلت عن قدميه. ثم قال هرقل لدحية بن خليفة: ويحك! واللَّه إني لأعلم أن صاحبك نبيٌ مرسل، وأنه الذي كنا ننتظره ونجده في كتابنا، ولكني أخاف الروم على نفسي؛ ولولا ذلك لأتبعته؛ فاذهب إلى صغاطر الأسقف فاذكر لهم أمر صاحبكم، فهو واللَّه أعظم في الروم مني، وأجوز قولا عندهم مني؛ فانظر ما يقول لك. فذهب دحية إلى صغاطر كبير الأساقفة، فأخبره بما جاء به من رسول اللَّه إلى هرقل، وبما يدعوه إليه، فقال صغاطر: صاحبك واللَّه نبي مرسل، نعرفه بصفته، ونجده في كتبنا باسمه. فدخل البطل صغاطر فألقى ثيابًا كانت عليه سودًا، ولبس ثيابا بيضاء، ثم أخذ عصاه، يتوكأ بها وهالة من النور تحيط بوجهه المشرق بالإيمان، فخرج على الروم وهم في الكنيسة، فقال بصوتٍ عالٍ: يا معشر الروم! إنه قد جاءنا كتابٌ من أحمد، يدعونا فيه إلى اللَّه عز وجل، وإني أشهد أن لا إله إلا اللَّه وأن أحمد عبده ورسوله. فما إن فرغ البطل صغاطر من قولته تلك حتى وثب عليه من كانوا يسجدون له من قبل وثبة رجل واحد، فضربوه حتى تحولت ثيابه البيضاء إلى حمراء من كثرة الدماء التي تدفقت كشلالٍ متفجرٍ من جبينه وهو ينادي بصوتٍ أنهكه الضرب:
أشهد أن لا إله إلا اللَّه، وأشهد أن أحمدًا رسول اللَّه
وظل هذا البطل الإسلامي العظيم يرددها حتى فاضت روحه إلى بارئها، فرحم اللَّه البطل صغاطر، وأسكنه اللَّه فسيح جناته، وحشره مع حبيبه أحمد الذي آمن به من دون أن يراه.
ولكن. . . . لماذا قال صغاطر "أحمد" ولم يقل "محمد"؟! وكيف كان صغاطر ومن قبله هرقل يعلمون بالفعل أن نبيًا سيبعث بهذا الاسم؟ وبأي صيغة ورد اسم رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في الإنجيل؟ وهل بقي اسمه موجودًا إلى يوم الناس هذا للإجابة على هذه التساؤلات وغيرها ينبغي علينا أن نسافر إلى القارة الأوروبية، وبالتحديد إلى إسبانيا، لنقابل عظيما إسبانيا من عظماء أمة الإسلام المائة، هذا العظيم الأوروبي اكتشف سرًا خطيرًا في الكتاب المقدس، هذا السر الخفي من شأنه أن يغير خارطة العالم الحديث رأسًا على عقب!
يتبع. . . . . . .